السيد كمال الحيدري

50

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

العدل أن يجعل المؤمنين العاملين للطاعات والكافرين المفسدين في الأرض سواء في الثواب والعقاب . وعلى هذا الأساس تضافرت النصوص القرآنية والروائية في التأكيد على أنّ غاية خلق الإنسان هو البقاء خالداً في الدار الآخرة كقوله تعالى : ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) « 1 » ( وهذا استفهام في معنى الإنكار على أولئك الذين ينكرون النشور ، أي حسبتم أن لا غاية حكيمة لخلقكم ، فيأتي عطف البيان ) وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ( وهذا يعنى إذا لم يكن هناك رجوع إلى الله فالخلقة عبث والله تعالى منزَّه عن العبث . كذلك قوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ) « 2 » ( وقوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) « 3 » ( . وهذه مقارنة قرآنية مكررة مراراً بين مسألة العبث واللهو واللعب من جهة وبين مسألة كون الخلق بالحقّ وعدم كونه عبثاً ولهواً ولعباً من جهة أخرى . وهذا هو أحد أنماط الاستدلال القرآني على الآخرة وهو ما يسمّى بالاستدلال اللمّى حسب المصطلح المنطقي بمعنى أنّه بعد الإيمان بوجود إله لهذا العالم ، وأنّه لا يفعل عبثاً ، وأنّ عمله هو الحقّ ولا مجال للباطل واللعب فيه ، وبعد الإيمان بأنّ الخليقة لها خالق حكيم ، يأتي الإيمان بالرجوع إلى الخالق يوم القيامة . إذاً لمّا كان الله حكيماً فلا يصدر منه فعل إلّا

--> ( 1 ) المؤمنون : 115 . ( 2 ) الدخان : 40 38 . ( 3 ) ص : 27 .